قصة هناء علي جبل عرفه



مشاعرنا فوق جبل عرفات الشهير بجبل الرحمة تكون بحق مشاعر شفافة نورانية متجردة من أحقاد الدنيا ومتاعها الزائل!!
تأكد وأنت فوق القمة فى جبل عرفات إنسان آخر مختلف وروح هائمــة فى ملكوت الله رب العالمين .

هذا هو المشهد العظيم فوق جبل الرحمة ، إنه مشهد يمسح كل الأحــــــزان ويغنى عن أى تعبير دنيوى !
من قلب عرفات أبو الرحمات كانت نهاية قصتنا المؤثرة .
قصة ابنتنا هنــاء التى جائتنى وعلى وجهها نور الإيمان واليقين برحمة الله ولطفه بعبـــاده .

جاءت هناء إلىّ قائلة : عشت حياة عريضة هانئة فى أسرة ميسورة الحـال بين أمى ربة المنزل الطيبة المحترمة ، وأبى رجل الأعمال الناجح الذى ورث عن أبيه تجارة رائجة ، ونشأت وترعرعت فى جو عائلى هادىء، ممـلوء بالحب والمودة والرحمة ، وكانت تأتى إلينا فى بيتنا سيدة طيبة لتساعد أمى فى بعض الأعمال المنزلية ، تلك هى سعدية ، وحدث أن تأخرت سعدية عندنا كثيراً فى ذلك اليوم فدق جرس الباب وفتحتحه لأجد أمامى شاباً وسيــــــــماً يتفجر رجولة وحيوية و يسأل عن أمه سعدية ،فدعوته للدخـــــول لكن رفض حياء ، وانتظر أمه حتى خرجت معه وانصرفا وأنا مشدوهة لا أعـــــرف ماذا جرى لى ،وفى الأسبوع التالى جاءت سعدية لمساعدة والدتى فى أعمـــالها المنزلية.

 فوجدتنى أجلس معها واتحدث إليها وانتهزت الفرصة ،وسألتها عن ابنها الشاب أحمد ، فإذا بها تخبرنى بأنــه طالب مـــعى فى نفس الكـــــــــلية ويتقدمنى بسنة ! وفى اليوم التالى بحثت عنه فى الكلية حتى وجدته، وحييته تحية الصـــــباح فرد علىّ بأدب وحياء ثم خفض رأســـــــــه، وتكررت لقاءاتنا داخــــل الكلية بالصدفة أو عمداً من جانبى .

وبمرور الأيام عرفت كل شىء عن حياتـــــــــه ،فعرفت أنه بعد الدراسة بمحل تجارى ليكسب دخلاً يعينه عــــــــــلى نفقات دراسته ،وعرفت أيضاً أنه طالب متفوق مجتهد فى عمــله يؤديه ، حتى أنه يجمع أسئلة السنوات السابقة ويقوم بحلها كنماذج للإجابات ويطبعـــــــــها ويوزعها فى الكلية على الطلبة ويحقـّق من وراء ذلك دخلاً بسيطاً كل سنـة .

واستمرت زمالتنا على هذا النحو ثلاث سنوات ازددت خلالها إعجاباً بــــــه وبرجولته وبإعتزازه بنفسه ، ومضت السنوات سريعاً حتى تخّرج وعمـــل فى مشروع ،كان قد بدأه فى الشهور الأخيرة مــــــن دراسته ، وأحسست فى أعماقى بميلى للإرتباط به ،واتفقنا أن يتقدم إلى أسرتى بعد تخّرجى مباشرة وفاتحت أمى بالأمر فرفضت بشدة، وقامت بإبلاغ أبى الذى ثار ثورة عارمة رافضاً رفضاً قاطعاً أن يتم زواجنا ، لعدم التكافؤ الإجتماعى كمــــــا يرى ،بل ووضعنى أمام إختيار صعب هو إما صرف النظر عن هذا الزواج وإما ترك البيت!

والله يا أخى وجدت نفسى حائرة بين إرضاء أبى ،وبين نداء قلبى ، وفكـــرة كثيراً وبكيت أكثر وبكت أمى طويلاً ،وحاولت إثناء أبــــــــى عن تشدده دون جدوى ،واتخذت قرارى الصعب وحزمت أمرى وودعت أمى وأنا أبكى ،وهى تبكى وخرجت إلى بيتى الجديد مع زوجى أحمد .

وكان أحمـد قد قام بإستئجار شقة متواضعة ،وفرشها بأثاث أكثر تواضعاً وتم عقد القران وأنــا فى الخامسة والعشرين من عمرى .
 وأقام لنا أصدقاؤه فرحاً وزفة رمــزية لن أنساهما العمر كله، وللأسف لم يحضر أحد من أهلى زفافى ، ورغم ذلك فقد بدأنا حياة سعيدة جديدة ونحن سابحان فى بحر من السعادة.

وكان أحمد ينبوعاً من العطف والحنان فحاول كثيراً أن يصلح ما بينى وبين أهلى وتحّمل كل الإهانات فى سبيل ذلك رغم إعتزازه بكرامته، ولكن للأسف دون فائدة !

 فكان يعود لى فى كل مرة، مكسور الخاطر ويحـــاول أن يخفف عنى، مؤكداً أنها سحابة وسوف تنقشع، وأن المياه سوف تعود فى النهــــاية إلى مجاريها ، وشاء المولى أن يرزق زوجى أحمد فرصة عمل خـــارج دولتنا فسافرت معه ،وعملنا معاً فى السعودية، واتـــم الله نعمته علينا فأنجبنا ابننا بعد شهور من سفرنا، وشكرنا الله على نعمته وأخرج زوجى الزكــــــاة وأرسلها إلى بلدنا لتوزع على مــن يستحقونها وأدينا فريضة الحج واعتمرنا ، وبقينا فى غربتنا ثلاث سنوات، لا نعود إلى دولتنا.

وكلما جاء موسم الحج أدينا الفريضة بدلاً من العودة لدولتنا، وفى العام الثالث، كنا وقوفاً بعرفات فوق جبل الرحمة زوجى وأنا وطفـــــلى الصغير ،فشعرت فجأة كأن تياراً مغناطيسياً يشدنى إلــــى الناحية اليمنى فنظرت إليها، فإذا بى أرى أبى وأمى اللذين لم تقــع عيناى عليهما منذ ثلاث سنوات ، أجدهم بملابس الإحرام يقفان إلى جوارى تمــاماً ! وكأن وجودهما بالقرب منى، قد خلق مجالاً كهربائياً أرسل إشارته إلىّ ونبهنى إليهما !

والله يا أخى نظرت إليهما ولم أصدق نفسى ولم يصدقا نفسيهما ،ووجـــدت نفسى اندفع إليهما وهما يندفعان إلىّ فى نفس اللحظة وفاضت عيوننـــــــــا جميعاً بالدمع الغزير و الجميع يبكون من شدة تأثرنا بالموقف ، حــــــــتى طفلى الصغير ترقرقت عيناه بالدمع ،وهــو يرى هذا المشهد الغريب وبكيت كثيراً ،وبكت أمى أيضاً وأبى وزوجى حتى تواصلت دموعهما، والناس مــــن حولنا ينظرون إلينا مشفقين ،وحين ألهمهم الخـالق الموقف شاركونا الموقف.

وقالوا لنا : فى هذا المكان الطاهر تُمسح كل الجراح ويولبد الإنسان من جديد ،وتمسكنا بأبى وأمى أن يقيما معنا ،وبعد إنتهاء موسم الحج ،عدنــا جميعاً على طائرة واحدة لدولتنا، ودخلنا جميعاً بيت أبى لأول مــــرة بعد أكثر من ثلاث سنوات ، واستقبلنا الجميع بفرحة كبرى ،وانطلقت زغاريد الفـــرح التى لم أسمعها يوم فرحى !!

وهكذا نرى أن هناء، أراد الله لها أن تجتمع بأهلها مــــــــرة ثانية بعــــد أن صفت النفوس والمشاعر فوق جبل الرحمة ، تلك كانت مشيئة الله فالسعادة الشخصية لا تكتمل لأى إنسان إلا براحة الضمير ، والأوفق دائمـــاً حين يجد الإنسان نفسه أمام هذا الإختيار الصعب الذى واجهته هناء ،هو أن يكــــافح لنيل رضا الأهل، وألا يخرج عن طاعتهم فى هذا الأمر إلا إذا كــــــان تجنيهم عليه صارخاً ! .

وفى قصة هناء لمسنا جميعاً كيف انتصر الحب والكفـــــاح الشريف ، رغم معرضة الأهل الذين كان من الممكن بكير مـــــن الصبر كسب رضاهم عنّا وتأيدهم لنا وقديماً قــال الحكماء(من يمشى هوناً يمشى دهراً ) ، أى أن بلوغ الأهداف يتطلب الصبر كما يتطلب أيضاً الإصرار ،وقديماً قـــال الشاعر أيضاً : لا تسقنى ماء المـــــــلام فإننى صب قد استعذبت ماء بكــــــائى!.