-->

قصص واقعية للكبار قصة جندي عراقي للموت بقية

قصص واقعية للكبار قصة جندي عراقي للموت بقية
    مرحبا بكم زوار موقعنا قصص وحكايات , نجكي لكم اليوم قصة واقعية للكبار من صنف قصص واقعية , والتي هي قصة لجندي عراقي يرويها هو على لسانه , وللمزيد يمكنكم زيارة صنف قصص واقعية


    قصص واقعية للكبار قصة جندي عراقي للموت بقية

    القصة بقلم : كاظم  اللامي
    ذات صيف قائظ شهدت أولى أيامه انحسار الثلج عن الموت فَفُتِحَت النوافذ أمامه ليقفز متدفقاً بأقدام مجنونة في شوارعنا الموحشة، حاصداً بمنجل من 
    قذائف، وساطور من رصاص رؤوس شبابنا المغلوب على أمرهم، شبابنا الخائف من ظله الذي لا يملك من الشجاعة شروى نقير في أن يقول كلا حتى لو جُرِّدَ من ملابسه الداخلية أمام ملأ من الناس وأثخن عبثاً بمقدساته الشخصية النفيسة.

        هذا الحصاد المر تواجد في معارك شمال العراق في سيد صادق ــ احدى قرى مدينة السليمانية ــ المحاذية لإيران ــ في حرب الثمان سنوات.. كنت حينها جندياً في أحد ألوية الجيش العراقي الذي كُتب عليه منذ تأسيسه في 1921 أن يدافع بالنيابة عن قضايا أمة عاق طالما خذلت أبطالها أمة لا تعنيه بالمرّة.. حرب 48 .. حرب 67 .. حرب 73 .. وأخرها حرب إيران، أو حرب الخليج كما يسميها الإعلام العالمي، الحرب التي أتت على جميع الجماليات المتبقية لهذا البلد المُضْطَهِدِ نفسه. مما جعلنا نتحسر على جميع أيامنا الأقل خسارة رغم بؤسها وقلة عددها.

       في إحدى العمليات الاستطلاعية في ذلك الصيف من الحرب كنت بصحبة ثلاثة من رفاق السلاح نستطلع منطقة جبلية للبحث عن مخابئ العصاة لتصفيتهم، وفيما نحن نشاكس بعضنا البعض بنكات سمجة جميعها تدور حول بساطة الأكراد لقتل الخوف الذي لازمنا منذ أول يوم للحرب وهو يتوزع بين خوف العصاة وهم يتصيدوننا بخفاء الجن، وبين خوف الإيرانيين بقذائفهم التي لا تميز بين خبير وجاهل في الحرب، الجميع في مرمى الزائد .. لكن هيهات للخوف أن يموت .. آخر نكتة أطلقها الملازم أول حمادي صديقي وجاري في مدينة الماجدية كانت تحكي حوارية بين إثنين أحدهما كردي والآخر مجهول الإنتماء
    -       متى ولدت ؟
    -       ولدت في يوم الجمعة
    -       لا تكذب سيرميك الله في النار
    -       ولِمَ الكذب؟
    -       لأن يوم الجمعة عطلة رسمية في العراق

        سيطرت علينا نوبة ضحك الهستيري جعلت كل واحد منا يبدو كمخمور تعتعه السكر.. بددت هذه النشوة إطلاقات نارية بمختلف الأسلحة الخفيفة كدخان سيجارة صفعته يد حانقة مما أجبرنا على الاختباء خلف أحد الصخور المتشكلة كمصد ناري صممه جنودنا في سابق الأيام للوقاية من خطر اعتداءات العدو.

        زخات مطر الرصاص تتواصل بلا توقف وهي تعلن عن زيارة عاجلة لعزرائيل لألتقاط ما طالته يداه من رفاقنا كما هي العادة .. ارتبكنا، فقدنا القدرة على معالجة الموقف، تهنا عن بعض وكأننا نخوض وسط عاصفة هوجاء .. وما إن كفت قليلا سماء العدو عن زخات رصاصها التفتُّ وجلا يميناً وشمالاً للاطمئنان على بقية الرفاق لم يتمثل أمامي سوى حمادي وهو يتنفس بقوة ..
    -       أين بقية الجنود؟
        قلت مستبدلا حرف الدال من كلمة الجنود بحرف النون كما هي عادتي في السخرية من حالنا البائسة كقطيع من الأغنام في حضيرة سيد بلا ضمير .. أشار حمادي برأسه الكروي ناحية جثتين اعتلت أحدهما الاخرى .. حاولت النهوض لإسعافهما فتمسك بي وهو يقول..
    -       دعهما .. طيور عزرائيل خبيرة في التقاط حبوبها ..  سنخليهما عندما ننتهي من لعبة الطاولي مع هؤلاء العصاة الذين لن يفلتوا مني وروح أمي خاجية.. إلا ملص ..

        إشارة إلى اللعبة الأكثر شعبية (الطاولي) المنتشرة بكثافة حينها بين العراقيين والتي كان يقضي حمادي في ممارستها في إجازاته الدورية ساعات طوال.. 
    اجبته ببوليسية لا تناسب الموقف.
    -       هذه المرة الأولى التي يجربون فيها حظهم معنا نهاراً جهاراً؟

        مضت عشر دقائق على هذا الظرف المتخم بلعلعة الرصاص وكأنها هلاهل نسوة تداخلت مشتبكة فيما بينها في عرس سومري يأتي كل عشر سنوات مرة واحدة..بعد لحظات قليلة شمّ حمادي مصدر هجوم العصاة بأنفه السحرية والتقطهم بعينه الصقرية وأشار لي الى موقعهم بحركة أخرى من رأسه، فرحنا نمطرهم بوابل من الرصاص المقهور المثخن بالوجع المطالب بثأر رفاقنا الذي غابوا في الرذاذ.. مرت صورهم كمجموعة طيور تشاكس وجهي كل يريد أن يستقر أمام عَيْنَيّ ..  استجابت رشاشتي ثائرة  مرة أخرى وهي تغني أغنية الفقد، حيث كان يمثل لنا الفقد وانفراط الأحبة هوية تكشف عن مكنون ذاتنا المعذبة.. فحيثما وُجِد جندي عراقي حضر الأنين عندها بصوت مسعود عمارتلي وهو يشكو الغياب.

        انسحب أحد العصاة مختفيا برشاقة القطط الى داخل أحد المغارات، إلا أن رفيقه ظل يطلق رصاصاته المستهترة المتهسترة في مواجهتنا بتحد كبير، مما اقنعنا بأنه مثكول في عزيز ما كما ثكلنا نحن بقائمة طويلة من رفاق السلاح .. يبدو أن المُتَمَرِدَيْن اجتهدا انفرادياً باتخاذ قرار الهجوم هذا لأنه مخالف للقواعد 
    العسكرية في الغش والتخفي وكذلك في توقيت الهجوم حيث أتى موعده نهاراً، والمعتاد وفي أكثر تعرضاتهم لنا يكون الموعد عندما يرخي الليل سدوله، ففي 
    النهار تراهم مسالمين حد أن يكونوا أصدقاء حميمين.
        - سأتدبر أمره دعه لي....
        قال حمادي كلمته وهو يتحرك ناحية مصدٍ صخري آخر .. ربض هناك وبعد عدة اطلاقات مني ومنه سقط المتمرد المثكول جثة هامدة لا حراك فيها..
    -       انتظرني هنا...
          قال حمادي والدموع تملأ وجهه وهو يوزع نظراته بين رفاقنا وموقع المتمرد..
    -       الى أين يا حمادي؟
    -       لا تسأل .. قلت لك انتظرني هنا...

        وضع سلاحه على كتفه وانطلق حتى مكان المتمردين وأنا أتابعه بدهشة المذهول المعجب بهذه الشجاعة لكنني لم أنسى وضع أصبعي على الزناد .. شاهدته يصل عند قتيل المتمردين ويرفعه أمامي ثم يهوي معه خلف مصد صخري كان يتمترس خلفه المتمرد القتيل. وبعد أكثر من خمس دقائق شاهدت حمادي وهو يحمل المتمرد ويرمي به من الأعلى حتى السفح وكأنه يبالغ في الانتقام لرفاقنا، ثم توجه بوجهه ناحيتي وهو يؤشر بعلامة النصر وبعد وصول التعزيزات العسكرية ورفعهم لجُثَتَيْ رفاقنا وصل حمادي وهو يبتسم فرحا ....
    -       ماذا فعلت مع المتمرد يا حمادي؟
    -       لقد ضاجعته ابن الكلب وأولجت قضيبي في أسته ابن العاهرة ورميت به للكلاب في سفح الوادي

        حمادي جندي متطوع من أهالي الفضل،.. شارك في انتصارات كثيرة للجيش مما دفع الريس لترقيته الى رتبة ملازم أول. لكنه بقي بنفس الشخصية المحبوبة، كما إنه يتمتع بحس وطني عجيب فبعد هذه العملية القتالية تم تكريمنا بإجازة لأسبوعين إلا إنه رفض وبشدة أن يتمتع بهذه الإجازة حتى يحين موعد إجازته الدورية.. مما حدا بي أن أتمتع بها لوحدي ...

        وفي أحدى ليالي اجازتي، كانت ليلة صيفية خانقة مٌتَلَفِعَة بالرطوبة الحادة كنت حينها منغمساً في جلسة عائلية .. كانت حواراتنا تدور وبشكل حصري عن جميع الأحداث التي مرت بي في وحدتي العسكرية .. تواجهني من قبل عائلتي عدة عواطف مختلفة.. فهذه أمي تبكي لحال رفاقي، وأبي يدقق بطريقة إدارة المعركة وخططها، أما بقية أفراد الأسرة ولصغر سنهم فيعجبهم عمليات الأكشن والمبالغة في تصوير الأحداث .. وفي تلك الأثناء تناهت الى أسماعنا أهازيج حزبية، وولولة نسوية، واطلاقات نارية، وضجة رجالية فهرعنا بمجملنا الى الشارع لمعرفة الحقيقة .. حيث وجدنا سيارة تكسي من نواع (كرونة) تقف بجوار بيت أبي حمادي وقد استقر فوق سلتها الحديدية جثمان حمادي وجميع أفراد أسرته يدورون حول السيارة صارخين..

         حمادي (بزر الكعده) الذي ولد إثر أربع بنات أتى متشحاً بعلم باهت الالوان خال من المعاني إلا من معنى واحد .. ((القتال في معركة لا ناقة لنا فيها ولا 
    جمل)).. ((الفناء في حب الريس)).... ((الريس الذي يتكرر كل 35 سنة)).

        أنزلوه في باحة الدار .. فاجتمع أهله وذويه وأقاربه وجيرانه والجميع غائب في بكاء مرير الا الحزبيون لا يبدو منهم إلا عيون تراقب سكنات وحركات الحضور وآذان تصيخ السمع لكل حرف يخرج كردة فعل من الأهالي .. وانت أمام هذا المنظر لا تجد تعليقاً مناسباً للحالة سوى أنك تفتح أنابيب عينيك على سعتها لتشاركهم في شق إخدود تتجمع فيه كل دموع القهر والحزن لفراق شاب لم يتجاوز عمره الثالثة والعشرين تربطك به مشيمة الصداقة التي لا تقبل القطع والتلاشي .. وقف كبيرهم وسط الحضور منتصبا كجبل، وهو رجل مسن يرتدي على رأسه العقال واليشماغ الجنوبي المتشكل على هيئة شبكة صيد، اقترح في أن يعجلوا بشحن التابوت الى وادي السلام ليختبئ بين طياته حاله حال الآلاف من ضحايا الحروب والموت على مر الزمان وهي تُزَف زرافات ووحدانا كل حين .. امتنعت النسوة وشباب العشيرة شاركهم ايضا بالرفض من لا يُعرف له نسب بالشهيد.. امتنع الجميع عن ماذا ؟ امتنعوا عن زفاف العريس الى مثواه الأخير بهذه الساعة وبهذه السرعة دون أن تكون هناك مكاشافات بينه وبينهم، ولو على المستوى المسموع والمقروء في تفاصيل وجهه بعد أن جُرَّدَ كفن الشهيد واظهر وجهه شاب طائش من الجيران .. مما حفز نون النسوة ان تشتغل بعاطفتها الغبية فصرخ الجميع : اصبروا علينا للصباح حتى نملأ عيوننا بمنظره الأخير .. فانطلق صراخ النسوة بفونيم متناغم مع نعيق غراب أحمق .. مما حدا بأخواته الأربعة أن يرمين بأجسادهن النحيفة فوق الجثمان وهن بملابس البيت العادية مما أغرى بعض العيون المتلصصة أن تنحت اجسادهن بنظرات شابقة لا تناسب الموقف بتاتا.. صرخن بنشيج جمهوري كاشفات عن صدورهن وهن يقمعن لحمهن المتهدل 
    المحمر بضربات هستيرية.. علا صوت حمادي وهو يصرخ بهن
    -       كفى اذلالا ..

        تحرك قليلا رأسه المحفور بعناية من جبهته برصاصة تلقفها عند الجبل .. كاد ان يطل هذا الرأس من تابوته الخشبي ويغيب بصراخ وعويل مع اخواته الاربعة على حريته التي سلبها القدر بمعية القادة إلا إن ضغط اجساد النسوة عليه وهن يقبلنه منعه من الحركة نهائياً فرضخ للهدوء والصمت صافعا الوجوه بنظرات ساهمة.

        فكرتُ قليلا بسر رفض حمادي التمتع بمكرمة الإجازة واصراره على اكمال مدة دوريته، ربما هو تواطؤ مع عزرائيل لإكمال القصة بعناية .. استعذبت التفكير بحيثيات مقتل حمادي ورحت اطرق على ذهني باسئلة عديدة وكأنني عامل في سوق للصفافير .. من هذا الذي وجه الى رأسه رصاصة أتت على حياته؟ فكرت قليلاً بالمتمرد الثاني الذي انسحب داخل إحدى المغارات، ربما هو من انتقم لرفيقه الذي ضاجعه حمادي فقتله ليحرق قلب أهله وقلب جميع من يتصل به بمعرفة.

        صرخت احداهن وكأنها إسرافيل يصيح ببوقه : أن موتوا فقد انتهى دوركم في حياة لم تكن إلا سهرة تمثيلية مؤلفها ومخرجها معجب بنفسه حد الخيلاء اسمها (الطاعة العمياء).. الطاعة لكل فوقيات العالم السمج .. صرخت الأخت الصغيرة وهي تكفكف دموعها بضفيرتها الطويلة التي تشق جسدها الى نصفين من رأسها حتى نهاية عجيزتها .. أيّدْنَها اخواتها بصرخات متجانسة.. ((نريده في غرفة نومه التي شاركنا السعادة بها)) ..غرفة نومه التي ما زالت تستعرض ذكرياته الجميلة وابتسامته المحيرة في صورته المعلقة على الحائط وهو يشرئب بنجمتين على كتفيه لسان حالهما يقول هذا الملازم أول حمادي الغبي المغرر به .
    استجاب الجميع لطلب البنات فنقله شباب المنطقة الى غرفة نومه ..
    -       هوناً .. هوناً

         قال كبيرهم وهو يلف يشماغه حول رأسه بعد أن تهدل بفوضى مضحكة نتيجة التدافع حول التابوت المسجى.. ساهمتُ مع الشباب بحمل التابوت ولما نصل وسط الغرفة تمرد التابوت ودفع بنا كل على جانب وهبط لوحده بسكينة الأنبياء على الأرض المعبدة بالفناء ..هناك رأيت صورته المعلقة وهي تهتز راقصة مرتبكة لترتفع يد حمادي خارجة من زجاج الصورة وهي تفتل الشارب الزغبي ثم ترتفع أكثر لتؤدي التحية العسكرية للجثة لكن اليد دارت يمينا وشمالا بحركات استطلاعية وكأنها تبحث عن شيء ولما لم تجد أحداً من الرفاق تحولت التحية العسكرية الى غمة وعبارة مجلجلة : من امداك وامدا النوط الذي كنت تحلم به ...

        انسحبنا كل على بيته لترك ذويه ليأخذوا مأخذهم من العويل بقربه كي يُزَف عند الصباح الى جنة الخلد لأنهم أكرم منا جميعا كما تعلمنا من الحزب القائد 
    وهلهولة للشعب الصامت.. تركوا الشهيد وحيدا في غرفته ونام الجميع ..لَفَّهُم صمت قاتل، صمت علّق كلمات الرثاء على مشنقة الكذب والزيف .. صمت فهمنا منه : ((اليموت من فكر نفسه)) .. نام الجميع إلا أنا بقيت مضطجعاً أتأمل القمر فوق سطح منزلنا.. أنتظره متى يحين إعلان موته المتوقع مع أول إشراقة للشمس.. صمت محير إلا من بكاء متقطع لنسوة الشهيد تحول بعد مدة قصيرة الى صمت حذر تشوبه بعض الهمهمات .. انقطع العويل والبكاء كلياً ..الهمسات تتردد مشفرة ..ترتفع وتنخفض ..تتحول الى صياح وتأنيب.. حتى شقت هذه الهمهمات والصمت الحذر جملة واثقة جملة آمره جملة لا يملك صاحبها جملة بديلة أخرى جملة من صوت سمعته كثيراً(السايق ولَّه وين.. مو اختنكنا) اختنقت بعبرتي، أصابني رعاش اهتز له جسدي والدنيا بأسرها كدوامة في بحر سافل.. أهكذا مصيرنا، طلقة في وسط الجبهة تغدو كعلامة يضعنها نساء الهنود على متوسط جباههم ونسيان وجفاء يعجل بنا الى المغيب.. نمت على بطني شابكاً يديَّ فوق راسي وغبت في صراخ وعويل: احنا مرة نعيش مرة نموت مرة بكل عمرنا ... انقلبت على ظهري بعد أن تشبعت وسادتي بدموع الخائف الوجل من مصير لا يمثل طموحي بأدنى درجاته ... تابعتُ القمر وهو يتلفع بعباءة النسيان متخفياً بين النجوم وجثة شهيدنا خجلة وحيدة  لم تشهد منذ اطلالتها أول مرة من رحم الطمأنينة أي صباح يبشرها بشارة الأمان والخير...عندها تلفع كل شيئ بالصمت إلا من معزوفة مقرفة يطلقها أنف  النائمين حتى الزوال وقول أحدهم ..
    -       شدوا الحبل زين .. وحضر الترمز والصمون والكيمر ..  ورانا طريق طويل .. لا 
    إله إلا الله
         انها قيامة القيامة فلا همس يبدد هذا الصمت المرعب سوى شخير محرك السيارة 
    وهو يردد : وللموت بقية.

    إرسال تعليق