يد أبي ليست مجرد قصة

ــ يد أبي ليست مجرد قصة ــ

يد أبي


عادة تقبيل يد الأب أو الأم يراها البعض عادة غير مرغوب فيها ، بل ويؤكدون أنها عادة مذمومة !!
ذلك أنهم يتصورون أنها تعبير عن ضعف الشخصية والانطواء ، وقد يفسرها البعض أنها ( خروج على الدين ) لأنها تعني الذل والخضوع لغير الله عز وجل !
وهذا بالطبع تفكير قاصر لا يقّدر الأب حق قدره ، وقد نندم على تفكيرنا القاصر هذا ولكن بعد فوات الأوان !
تيسير ، فتاة من أسرة متوسطة الحال أو كما يقولون من طبقة الموظفين ، لها من الأخوة أربعو ولدان وبنتان ، وأمهم ست بيت طيبة ، كان والدهم رحمه الله موظف بإحدى الهيئات الحكومية ، فقد رحل عنهم منذ شهور في حادث سيارة وهو يقضي لأخيهم الأكبر مصلحة في بلدتهم .
كان والدهم نوع فريد من البشر ، فقد كان خدوماً لا يطلب أحد منه شيئاً إلا وقضاه له إذا كان في استطاعته ، كان أقاربه وجيرانه وزملاؤه في العمل يعرفون هذا جيداً عنه ، فلم يكن يمر عليه يوم إلا ويقضي فيه حاجة لأحدهم دون ضيق أو تبرّم ، لقد كان يحمل بداخله كماً من الرضا لو وُزع على أهل الأرض كلهم لكفاهم ، وكان قانعاً برزقه ولم ينظر يوماً لأرزاق الآخرين أو ممتلكاتهم ، بل ويحمد ربه دائماً على الصحة والستر ، وإذا ذُكر أمامه أن فلان عنده من الأملاك كذا وكذا قال بارك الله له ، وكان أولاده يعيبون عليه ذلك !
فقد كانوا يعتقدون أن الرضا والقناعة سلبية وعدم تطلع لتحسين مستوى 
المعيشة ، كانت تيسير وإخوتها يعيشون حياة معقولة براتب أبيهم الشهري وذلك بفضل تدبير أمهم وحسن إدراكها لأمور البيت التي كان زوجها يتركها لها تماماً وهو واثق من نجاحها في هذه المهمة الصعبة !
مرت الأيام والسنين وكبر الأبناء وتخرجوا في جامعاتهم وعملوا في وظائف مرموقة ، وأصبح لكل منهم راتب ينفقه كيفما يشاء ، ولم يطلب أبيهم منهم أي مساعدة في مصروف المنزل ، بل كان يعطيهم دون حساب !
لا تنسي تيسير أبداً نشاطه غير العادي وتفانيه في خدمتهم وهم براعم صغيرة وحتى بعد أن كبروا وأصبحوا قادرين على القيام بخدمة أنفسهم لم يكن يتحرج أن يغسل لأحد أبنائه قميصاً أو جورباً أو يعد لهم طعام الإفطار والعشاء ، أو يخرج ليشتري لهم كل طلباتهم ، ولم يطلب من أحد أن يقضي له حاجة يوماً ما ، وكان يعاملهم جميعاً سواسية البنت مثل الولد في كل شبئ ، وإذا شعر أن أحد أولاده الذكور أغضب إخوته البنات ، كان يأتي به أمامهم ويخبره بأنهن لا يقلون عنه في شيئ ، بل هن أفضل منه لأنهن يذاكرن ويساعدن أمهن في أعمال المنزل !
هكذا نشأت تيسير وأخواتها وهن يشعرن بأن لهن ظهر يساندهم ويقف بجانبهم دائماً .... تتذكر تيسير لوالدها يرحمه الله حنانه الذي ليس له حدود ومدى انزعاجه إذا رأى واحد منهم يعاني من نزلة برد أو عطس أمامه ، ساعتها ينهض منزعجاً يسأله عما به ويبادره بالشاى والليمون والدواء اللازم لدرجة أنهم كانوا يضيقون أحياناً بهذا الاهتمام ويضحكون منه ، وكانوا كثيراً ما يغضبون أبيهم بتصرفات الشباب غير الناضجة ويتضايقون من عتابه لهم !
تقول تيسير : كان والدنا الحبيب هو الأسبق دائماً في التصالح معنا وكأنه هو المخطئ ولم نكن نقدّر له هذا !! 
كان أبي يرحمه الله طيب القلب لا يحمل في قلبه ضغينة لأحد ، يقدم كل ما في وسعه لإسعاد الآخرين دون أن ينتظر منهم المقابل ، وعندما تقدم لخطبتي أحد الشباب الذي يراه الجميع مناسباً ولا أرتاح إليه ، فتثور أمي ويتعجب إخوتي ، ويكون أبي هو الوحيد الذي يقول : تلك حياتها وهي حرة في رأيها في شريك عمرها ، إنه النصيب ونصيبها لم يأت بعد ، ثم ينصحني بألا أتسرع في الحكم على الأشخاص الذين يتقدمون لي وأن أفكر جيداً .
مرت الأيام وتعرفت على شاب ذو خلق ومتدين ويناسبني في كل شيئ وحدّثت أبي وأمي أن هذا لشاب يريد أن يتقدم لخطبتي ، فرّحب والدي وقال أنه سوف 
يراه ويسأل عنه ، فإذا وجده مناسباً سيوافق عليه لأنه يتمني سعادتي أولاً وأخيراً ، وتزوجت بحمد الله ، وكما فعل أبي معي في مسألة الزواج فعل مع باقي إخوتي .
بعد أن تزوجت شعرت بقيمة أبي وحنانه علينا وعطفه ولمسة يده لكتفي وهو يربت عليّ !
وأقول آسفة إنني لم أستطع يوماً أنا وإخوتي أن نعّبر له عن حبنا الشديد له وأن نشعره بحناننا ورعايتنا له كما كان يفعل معنا !!
لقد رحل أبي دون أن يودعنا نحن أبناؤه الذين نعمنا بخيره سنوات طويلة وما زلنا ... رحل أبي دون أن يعرف كم كنا نحبه ونتمني أن نقبّل التراب الذي يمشي عليه ، مات أبي دون أن نراه ونلقي عليه النظرة الأخيرة ، ودُفن دون أن نراه ، ولم يتبق لنا منه سوى ذكرياتنا معه وأمي التي أدعو الله أن يطيل عمرها ويعيننا علي أن نوفيها حقها ونظل في رعايتها وخدمتها ما حيينا .
وإني لأرجو من كل شاب وفتاة أن يقبل يد أبيه وأمه صباحاً مساءاً وأن يعبّر لهما عن حبه بكل الطرق ولا يبخل عليهما بجزء مما وهباه له طوال عمره 
أرجو أن يفعل الجميع ذلك وآبائهم على قيد الحياة لإسعادهم حتى لا نندم على تقصيرنا في حقهما بعد يرحلون بلا عودة !
** هكذا عايشنا وأحسسنا الشعور بالندم في كل كلمة قالتها تيسير لمجرد شعورها أنها لم تظهر حبها لأبيها وهو على قيد الحياة ، ذلك أنه من المؤسف حقاً أن يرحل عنّا الأعزاء دون أن يعرفوا عمق ما تحمله لهم قلوبنا من محبة وإجلال واعتزاز ، ودون أن تواتينا القدرة على أن نسعدهم كما أسعدونا !
فليس هناك أسمي ولا أعمق أو أخلد من الحب الذي عرضه علينا منذ اليوم الأول لمجيئنا للحياة آباؤنا وأمهاتنا !
ولا من الحب الذي عرضناه نحن على أبنائنا منذ بداية رحلتهم في الحياة ، لقد كانت كلمات تيسير بمثابة اعتذار جميل لأبيها الراحل يرحمه الله وإقرار بفضله وإعلاء لما كان يمثله في حياتها وفي الحياة بصفة عامة من قيم إنسانية نبيلة وشريفة !
ذلك هو رمز الأب ، إنه الرمز الغالي والفريد الذي لا نشعر بقيمته إلا بعد فوات الأوان !! 

عزيزي القارئ هناك المزيد من القصص ذات صلة عن  قصص وعبر و قصص واقعية 

ليست هناك تعليقات: