فلسفة الحاسد



ــ فلسفة الحاسد ليست مجرد قصة ــ 

فلسفة الحاسد

أقسم الله سبحانه وتعالي في الحديث القدسي بعزته وجلاله : ( لأرزقن من لا حيلة له حتى يتعجب أصحاب الحيل ) .
أي حتى يعلم الجميع يقيناً أن الله وحده الرزاق المنعم وأن ثراء أي إنسان أو نجاحه وتوفيقه في عمله ليس راجعاً إلى حيلته وحدها وإنما إلى أن الله سبحانه وتعالى قد أذن له بنجاح مسعاه ونيل ثمرته وبارك له في رزقه وفي حياته .
والحاسد عندما يحسد غيره فإنه يتمنى زوال النعمة عنه وسلبه إياها ، وذلك تنفيساً عن غمه وهمه لأن الآخرين أحسن منه !
هذا الحاسد نفسه قد يحسد ذاته ، ذلك أن الحسد صفة متأصلة فيه ولذلك قالوا في الأمثال لا يحسد المال إلا أصحابه !!
سعاد سيدة في الخامسة والثلاثين من عمرها ، نشأت في أسرة متوسطة مع إخوتها الستة ، كان والدهم يكافح لتوفير سبل الحياة المكريمة لهم بمرتبه من عمله كموظف كبير ، كانت سعاد وإخوتها كثيراً ما يشعرون بجفاف الحياة ، وحين شبوا عن الطوق زادت مطالبهم ، واذداد شعور سعاد خاصة بالنقص ، فلقد كانت الابنة الكبرى تنظر لمن حولها بالكلية فتجد من ترتدي كل يوم فستان جديد ، ومن تأتي بسيارة والدها أو سيارتها ، ومن تتحدث عن رحلات الشتاء والصيف وهي تعيش حياة متقشفة ولا تسمح امكانيات أبيها المادية إلا بشراء فستان كل حين ، كما أنها لا تعرف المصايف ولا المشاتي !
لذلك قررت الفتاة ( المحرومة ) تحقيق حلمها بالزواج من رجل ثري يوفر لها
كل امكانيات الحياة ورفاهية بلا حدود !
ووضعت لنفسها مقاييس متشددة لمن سوف يرتبط بها ، ومضت في طريقها بكل إصرار ، فصدت أكثر من شاب حاول التودد إليها ولم تجد في ظروفهم ما بغريها بالتفكير في أمرهم ، وهكذا انتهت دراستها الجامعية دون أن يرتبط بها أحد ، وعملت ومضت السنين وهي ترفض أكثر من عريس تقدم لها حتى غضب أبيها وثارت عليها أمها قائلة : الأغنياء لا يتزوجون إلا بمن هم في مستواهم المادي ، ولسوف تحكمين على نفسك بالوحدة إذا استمررت في رفضك لفرص الزواج المعقولة !
ساء موقف سعاد أكثر حين خُطبت أختها التي تصغرها لشاب عادي أحبته وأحبها ، وبسبب نظرات الأهل المتبادلة لها في حفل زواج أختها رضخت كارهة لأمها حين فرضت عليها شاب من أسرة طيبة وظروفه جيدة ، ذلك هو ثروت الذي تزوجته بعد عام من الخطبة وعاشوا في شقة جيدة بأحد الأحياء الراقية بالقاهرة ، في حين أقامت أختها في شقة بحي شعبي جداً .
بدأت سعاد حياتها مع زوجها ساخطة على أقدارها لأن زوجها لم يكن من الأثرياء ، مضت بهم الأيام وأنجبت ولد وبنت ، وتقدمت في عملها وكذلك زوجها ثروت ، ولكن كانت ظروفهم المادية صعبة بسبب نفقات المعيشة ومتطلبات الأبناء ، وكان ثروت يحاول جاهداً إرضاء زوجته بكل السبل والطرق ، حتي أنه حصل لها علي عضوية في نادي المعادي الراقي ، وبدأوا يترددون علي النادي يقضون فيه يوم الجمعة من كل أسبوع ، ساعتها شعرت سعاد أن جزءاً بسيط من الحلم القديم قد تحقق !
في هذا النادي أصبحت لها صداقات جديدة كان أهمها صداقتها للسيدة سهير التي تعرفت عليها في حديقة النادي واستراحت كل منهن للأخرى ، وأصبحتا يقضين معظم وقتهن في النادي معاً في غياب أزواجهن .
منذ الوهلة الأولي لاحظت سعاد علي صديقتها سهير أناقتها وملابسها الغالية وحُسن اختيارها لها ، حتي أن الفستان الواحد يساوي مرتب زوجها ثروت في شهر !!
في المساء قصت سعاد لزوجها أحوال صديقتها الجديدة سهير وأسمعته بضع كلمات ساخرة ، فاكتأب الرجل وقال حانقاً : أنني لا أعرف ماذا أفعل كي أرضيك؟
مرت الأيام والشهور وتعمقت الصداقة بين سعاد وصديقتها سهير وتبادلن الزيارات وانبهرت سعاد بمسكن سهير الفاخر في أعلى أبراج المعادي وأثاثه 
الثمين والتحف الغالية الموزعة في كل أركان المنزل !
وترددت في دعوة سهير لزيارتها في مسكنها المتواضع ، لكن كان لابد من رد دعوتها، تقول سعاد : حاولت جهد استطاعتي تجميل البيت وتزيينه ، وأقرر صادقة أنني كثيراً ما كنت أتساءل : أليس ما تعيشه سهير تلك هو ما كنت أحلم به لنفسي وأنا فتاة ؟!!... ماذا تمتاز به سهير عني كي تفوز به دوني ؟!!
إنني أجمل منها بمراحل ! ... لماذا هي ولست أنا .. لماذا ؟!!
مرت الأيام والزيارات والعلاقات بين سعاد وسهير ولاحظت سعاد جيداً نظرات أشرف زوج سهير لها وانبهاره بها منذ أول لقاء !!
وبدأت الزوجة المتمردة سعاد تشعر بالغيرة الشيدة من صديقتها المحظوظة سهير ، وتشعر في نفس الوقت بالسخط الكبير علي زوجها ثروت برغم أنه يشقي في العمل والحياة لتلبية مطالبها الكثيرة .
كثرت المشاكل بين سعاد وثروت وكثرت شكواها لصديقتها سهير وازدادت نظرات زوجها الشرهة لها عمقاً وجرأة !!... تقول الزوجة المتمردة سعاد : في لحظة ضعف أعطيت أشرف زوج صديقتي الإشارة لكي يخطو الخطوة الأولي فلم يتردد وبدأت الاتصالات الهاتفية بيننا والأحاديث الغرامية الملتهبة والكلام المعسول ، مع الشكوى الدائمة من زوجي وخلافاتي معه ، وانتهي الأمر باعترافه بحبه الشديد لي ، وصارحته أنا أيضاً بحبي بشرط أن يكون في الحلال ، بمعني أن ينفصل كل منا عن شريك جياته ثم نتزوج ، واستمر الحال بيننا هكذا عامين طويلين أغدق أشرف خلالها علىّ بالهدايا الذهبية التي كنت أخفيها عن الأنظار ، وكثرت المشاكل بين أشرف وزوجته وانتهى أمرهما بالانفصال .. بعدها مباشرة طالبني أشرف بالانفصال عن زوجي وفاء لوعدي له إذا طلّق زوجته !
وبدأت بالفعل معركتي مع زوجي ثروت للحصول على الطلاق ، وخضت أهولاً كثيرة معه ومع أهلي حتي أنني حاولت الانتحار بقطع شرايين يدي وتم إنقاذي في اللحظة الأخيرة ، وأخيراً استسلم زوجي وطلّقني ، وبعد انقضاء شهور العدة تزوجت أشرف زوج صديقتي وأقمنا في شقة أخرى اشتراها لي في حي المعادي الراقي ، وبدأت أعيش الحياة التي طالما تمنيتها وحسدت الآخرين عليها ، وقدمت استقالتي من عملي واشتري أشرف لي سيارة فارهة وملابس كثيرة ومجوهرات ، وعرفت لأول مرة في حياتي الإقامة في فنادق الخمس نجوم 
والفور سيزون والسفر إلى أوروبا ، وغرقت في العز والنقود والحب الذي غمرني به زوجي الجديد ، ولم ينغص علىّ سعادتي سوى بُعدي عن أولادي وغيرتي الشديدة على زوجي وخوفي من أن تسرقه مني امرأة أخرى كما فعلت أنا مع صديقتي !
وكثيراً ما احترقت بنار الغيرة كلما سمعت عن اهتمامه بامرأة من المتعاملين معه، وكثيراً ما كنت أصرخ فيه : تخونني وأنا التي تركت زوجي وأولادي من أجلك !!... فيجيبني بمنتهي البرود بأنني تركتهم من أجل الفلوس !
وبعد تبادل الاتهامات والاهانات والشتائم نهدأ ونتصالح !
ساعتها اتذكر بمرارة أنني عشت مع زوجي الأول ثروت عشرة أعوام لم يرفع خلالها صوته مرة واحدة علىّ ولم يجرحني بكلمة ! 
دارت الأيام دورتها وأولادي يزدادون جفاءاً لي وابتعاداً عني ، وتوالت الأحداث عاصفة ، فتزوج زوجي السابق من فتاة بسيطة من أقاربه ، وازدادت حياتي تعقيداً بزواج سهير مطلقة زوجي من رجل ممتاز سافرت معه إلي الخليج العربي ، وطالبني أشرف برعاية أولاده الذين أصبحوا يعيشون معنا وزادت المشاكل في البيت ، وكانت الطامة الكبرى حين تعثر زوجي في أعماله فنقصت السيولة بين يديه وأخذ مني سيارتي وكذلك كل مجوهراتي وباعها وأيضاً الشقة الفاخرة ، ووجدتني فجأة أعيش في ظروف مشابهة لظروف زوجي الأول ثروت مع اختلاف جوهري هو أنني كنت معه موضع الإعزاز والحب والتكريم والاسترضاء باستمرار ، في حين أنني مع زوجي الثاني أشرف موضع السخط واللوم والغضب قي معظم الأحوال !!
استمرت أحوالنا في التدهور حتي صدرت ضد أشرف عدة أحكام نهائية بالسجن في قضايا شيكات بدون رصيد !.. وهو الآن بالسجن يقضي فترة عقوبته ، وأصبحت أعيش علي الصدقات والمعونات من شقيق زوجي ، يقدمها لي ولسان حاله يقول : إنني قدم شؤم علي شقيقه !
في هذه الظروف الصعبة التي أعيشها كنت أقف مع طفلي الصغير أمام النادي انتظر سيارة ميكروباص لكي نرجع إلي البيت حين لمحت عن بُعد صدقتي سهير طليقة زوجي تنزل من سيارة مرسيدس فارهة أمام النادي ورجل الأمن والبواب يقفان احتراماً لها ولزوجها ، فأسرعت بإدارة وجهي للناحية الأخرى حتي لا تراني !
قلت بيني وبين نفسي : إنه يبدو أن للعز إناساً يجدونه تحت أقدامهم دائماً حينما 
يمشون ، وأن للفقر والمعاناة إناساً آخرين لا يجدون سواهما كلما سعوا في الأرض !!
عدت للمنزل مكتئبة ساخطة وأنا نادمة أشد الندم على هدمي لحياتي المستقرة مع زوجي الطيب ثروت وضياع أولادي مني للأبد !
لقد خسرت كل شيئ ، خسرت كرامتي واستقراري وراحة بالي ، كل ذلك حدث لأنني لم أكن قانعة بحياتي مع زوجي الأول ولم أرض عنها بالرغم من أن كثيرات غيري كن يتمنين حياة مثلها ، ولأنني تطلعت إلى ما في يد غيري واغتصبت من صديقتي الوحيدة زوجها ونفسّت عليها حياتها معه وثراءه ورأيت أنني أحق به منها !
هكذا خسرت نفسي وضاع مني كل شيئ !!
• تلك هي فلسفة الحاسد حيث نراه في البداية يبرر لنفسه أنه الأحق من غيره والأجدر من غيره والأجمل من غيره !!
• ها نحن رأينا سعاد تتمني زوال النعمة عن الآخرين مقابل أن ترتع هي في النعيم والعز ، فكان عزمها الأكبر وتخطيطها لخطف زوج صديقتها الوحيدة ، ونجحت في مسعاها !!
• ثم رأينا كيف كانت نهايتها أليمة حيث ظنت أنها قد فازت بما تستحق من الحياة وأكثر ، لكنها في الواقع كانت الخاسر الاكبر ، فقد خسرت ما لا يعوض بمال إذا فقده الإنسان .. إنه حب أولادها ورعايتهم وارتباطها بهم !!
• خسرت زوجاً عطوفاً محباً لم يكن يمل أو يكل عن استرضائها ونيل رضاها !
• خسرت كذلك احترام أهلها والأخرين لها !
• ورأينا كيف تجددت مرارتها وحسرتها حين رأت صديقتها التي ظلمتها تنزل من سيارة مرسيدس فارهة مع زوجها الجديد !
• وكأن السماء أرادت معاقبتها في الدنيا جزاء أفعالها وضميرها الميت !
• ورأيناها تتعجب من أن هناك إناساً كُتب عليهم أن يعيشوا تعساء وآخرين كُتب لهم أن يعيشوا سعداء ، ولم تقتنع أن تلك مشيئة الله ، فقد يغمر سبحانه وتعالى برزقه من لا ترشحه قدراته للمنافسة في أي سباق ، وقد يقتر علي بعض الأذكياء رزقهم ، فيعيشون في كبد حتى يأذن الله بتغيير الأحوال !
• فهل آمنا أن الحسد سلوك بغيض ولا طائل منه سوي خراب النفوس والضمائر والبيوت العامرة ؟!!
• قال تعالي : ( قل أعوذ برب الفلق 0 من شر ما خلق 0 ومن شر غاسق إذا وقب 0 ومن شر النفاثات في العقد 0 ومن شر حاسد إذا حسد )
صدق الله العظيم ــ سورة الفلق .

عزيزي القارئ هناك المزيد من القصص ذات صلة عن قصص واقعية